الجاحظ
144
الحيوان
كان مما يشتدّ ضرره ، وتشتدّ الحراسة منه ، كذوات الأنياب من الحيّات والذئاب وذوات المخالب من الأسد والنّمور ، وذوات الإبر والشعر من العقارب والدّبر ، فاعلم أنّ مواقع منافعها من جهة الامتحان ، والبلوى . ومن جهة ما أعد اللّه عزّ وجلّ للصابرين ، ولمن فهم عنه ، ولمن علم أنّ الاختيار والاختبار لا يكونان والدنيا كلّها شرّ صرف أو خير محض ؛ فإنّ ذلك لا يكون إلّا بالمزواجة بين المكروه والمحبوب ، والمؤلم والملذّ ، والمحقّر والمعظّم ، والمأمون والمخوف . فإذا كان الحظّ الأوفر في الاختبار والاختيار . وبهما يتوسل إلى ولاية اللّه عزّ وجلّ ، وآبد [ 1 ] كرامته ، وكان ذلك إنما يكون في الدار الممزوجة من الخير والشرّ ، والمشتركة والمركّبة بالنّفع والضر ، المشوبة باليسر والعسر - فليعلم موضع النّفع في خلق العقرب ، ومكان الصّنع في خلق الحيّة ، فلا يحقرنّ الجرجس [ 2 ] والفراش والذرّ والذّبان ولتقف حتّى تتفكّر في الباب الذي رميت إليك بجملته ، فإنّك ستكثر حمد اللّه عزّ وجلّ على خلق الهمج والحشرات وذوات السّموم والأنياب ، كما تحمده على خلق الأغذية من الماء والنّسيم . فإن أردت الزّراية والتّحقير ، والعداوة والتّصغير ، فاصرف ذلك كلّه إلى الجنّ والإنس ، وأحقر منهم كلّ من عمل عملا من جهة الاختيار يستوجب به الاحتقار ، ويستحقّ به غاية المقت من وجه ، والتصغير من وجه . فإن أنت أبغضت من جهة الطبيعة ، واستثقلت من جهة الفطرة ضربين من الحيوان : ضربا يقتلك بسمه ، وضربا يقتلك بشدة أسره [ 3 ] لم تلم . إلّا أنّ عليك أن تعلم أنّ خالقهما لم يخلقهما لأذاك ، وإنما خلقهما لتصبر على أذاهما ، ولأن تنال بالصّبر الدرجة التي يستحيل أن تنالها إلّا بالصّبر . والصبر لا يكون إلّا على حالّ مكروه . فسواء عليك أكان المكروه سبعا وثّابا ، أو كان مرضا قاتلا ، وعلى أنّك لا تدري لعلّ النزع [ 4 ] ، والعلز [ 5 ] والحشرجة ، أن يكون أشدّ من لدغ حيّة ، وضغمة [ 6 ]
--> [ 1 ] آبد : دائم « القاموس : أبد » . [ 2 ] الجرجس : البعوض الصغار « القاموس : جرجس » . [ 3 ] الأسر : الشد والعصب وشدة الخلق والخلق « القاموس : أسر » . [ 4 ] يقال : هو في النزع : أي قلع الحياة « القاموس : نزع » . [ 5 ] العلز : هلع يصيب المحتضر « القاموس : علز » . [ 6 ] الضغمة : العضّة « القاموس : ضغم » .